حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
376
التمييز
وجاء في الحديث « إذا أردت سفرا أو تخرج مكانا فقل لأهلك : أستودعكم اللّه الذي لا يخيب ودائعه » « 1 » إنّ اللّه إذا استودع شيئا حفظه . قال أبو عبد اللّه الترمذي في نوادر الأصول : الوديعة هو الترك والتخلي عن الشيء وهو قوله تعالى : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى « 2 » ، أي ما تركك وما تخلّي عنك ، فالوديعة الّتي يودع العبد ربّه إنّما هو تخلّي وتبري من الحول والقوّة ، إن اللّه أعطى الخلق علم الأمور وعلم أسبابها ، وعلم حيلها ، وأعطاهم قوّة ومعرفة التصرّف في ذلك ولم يغنهم عن نفسه بما أعطاهم فكلّهم مع جميع ما أعطاهم اللّه فقراء مضطرّون لأنّه لا يكون شيء إلّا به ، فالغافل الأحمق يرى ما أعطي من هذه الأشياء فيقتدر بها في الأمور ويتملك فيريه عجزه وفقره وضعفه ويعرّفه أنّه لا يقوم أمر إلّا به ، فإنّ الأسباب التي أعطاهم كلهم ضعفاء فقراء مثله . وقول العبد لا حول ولا قوة إلّا بالله تبري وتخلي / 182 ب / من جميع الأسباب والحيل وعلم الأمور ، والتصرف في ذلك ، وكلما قال العبد : لا حول ولا قوة الا بالله تبرئ وتخلي من الأسباب ومن وبالها فجاءته القوة والعصمة ، وجاءه الغياث والتأييد والرّحمة وتكنفه . وجاء في الحديث « لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم » « 3 » . وقال علي بن ربيعة « 4 » : شهدت عليّا كرّم اللّه وجهه أوتى بدابّة ليركبها وهو خارج إلى السّفر فلمّا وضع رجله في الركاب قال : بسم اللّه ، فلمّا استوى قال : الحمد لله سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ « 5 » الحمد لله ، الحمد لله ، الحمد لله ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، ثم قال : سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت ثم ضحك . فقيل له : يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت ، قال : رأيت رسول اللّه يفعل كما فعلت ثمّ ضحك ، فقلت : يا رسول اللّه من أيّ شيء ضحكت . « قال إنّ
--> ( 1 ) الفتح الكبير 1 / 76 . ( 2 ) سورة الضحى : آية ( 3 ) . ( 3 ) الفتح الكبير 3 / 343 . ( 4 ) هو علي بن ربيعة الوالبي الأسدي تابعي كان ثقة في الحديث ، روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة ابن شعبة وغيرهما كما روى غيره عنه . تهذيب التهذيب 7 / 320 - 321 . ( 5 ) سورة الزخرف : آية ( 14 ) .